علم النفس العكسي





 علم النفس العكسي او بما يسمى 

 التدخل المتناقض



يُعنى علم النفس العكسي بحمل شخص ما على قول أو فعل شيء معين عن طريق إخباره بعكسه. يمكن أن ينجح هذا بشكل كبير إذا استُعمِل في الدعاية، كما يمكن أن يكون مفيدًا عند التعامل مع أنواع معينة من الناس. مع ذلك، يجب أن تكون حذرًا جدًا فيما يخص طريقة استعمالك له والسياق الذي تستعمله فيه؛ فقد يُعتبر نوعًا من التلاعب ويمكن أن يصبح مخربًا لعلاقاتك إذا تحول لعادة لديك. التزم بتطبيق علم النفس العكسي من آنٍ لآخر فحسب وفي مواقف غير خطيرة.

بقلم: أماني العشماوي

كُلُّنا نَقومُ بذلك أحيانًا.. أو كَثيرًا، دونَ أن نَدري أنَّ الذي نَفعلُهُ يُسَمَّى عِـلْمَ النَّفْـسِ العَكْسِيَّ.

وعِلْمُ النفسِ العكسيُّ هو مفهومٌ في غايةِ البساطةِ: تُريدُ مِن شخصٍ ما أنْ يَفعلَ شَيْئًا، ولكنَّك موقِنٌ أنه لن يَفعلَهُ، مهما طلبتَهُ برقَّةٍ أو لأسبابٍ منطقيةٍ! لذلكَ.. تَحتالُ عليهِ لِيَفعلَ ما تُريدُ؛ بأنْ تَطلبَ منه أن يَفعلَ عَكْسَ ما تُريدُ منه أنْ يَفعلَهُ.

أشهرُ مِثالٍ على ذلك أنْ تَطلبَ الزوجةُ مِن زَوجِها الذهابَ معها إلى السوقِ ليُشارِكَها في اختيارِ أريكةٍ جَديدةٍ لغُرْفَةِ الجُلوسِ.. لكنَّهُ يَتَحَجَّجُ مُحاوِلاً تأجيل المشروعِ أو إلغائهِ..

فتَقولُ الزوجةُ: “لا بأسَ، لا داعِيَ لإزعاجِكَ.. سأذهبُ مع جارَتِنا، فهيَ ذاتُ ذَوْقٍ فَنِّيٍّ جَميلٍ وهيَ ماهِرَةٌ في المُساوَمَةِ”!!

وطبعًا كلُّنا نَعـْرِفُ النتيجةَ، سيَذهبُ الزوجُ معها في اليَوْمِ التالي مباشرةً لاختيارِ الأريكةِ!!

عِلْمُ النفسِ العكسيُّ يُلَبّي الغَرَضَ منه، في أغلبِ الأحيانِ، لأنَّ البشرَ في حاجةٍ إلى الشعورِ بالاستقلالِ.. كأنَّهُم هُمُ الذينَ يُقَرِّرونَ ما يَفعلونَهُ وما لا يَفعلونَهُ، وما يُوافِقونَ عليهِ وما يَرفضونَهُ. فالإنسانُ عادةً يُفَكِّرُ في مَوْقِفِهِ إذا وافقَ على طَلَبِكِ، وفي صورَتِهِ أمامَ الناسِ، بدلاً مِن أنْ يُفكِّرَ في مَنْطِقِيَّةِ الكلامِ المُقترَحِ أو مَنْفَعَتِهِ.

عِلْمُ النفسِ العكسيُّ، في مجالِ العِلاجِ النفسيِّ، يُطْلِقونَ عليهِ اسمَ “التَّدَخُّل المُتَناقِض” وهو اسمٌ ربما كانَ أكثرَ دِقَّةٍ وذا طابِعٍ عِلْمِيٍّ.. لكن مُصطلحَ عِلْمَ النفسِ العكسيَّ هو الأكثرُ انتشارًا بين الناسِ.

على مَن يَعملُ عِـلْمُ النفسِ العكسيُّ؟

علمُ النفسِ العكسيُّ أوِ التدخلُ المُتناقِضُ هو مَفهومٌ جَديدُ في مجالِ العِلاجِ النفسيِّ، ومع ذلك يُمكنُ اعتبارُهُ سُلوكًا شَعبيًّا قَديمًا.. فعلى سبيلِ المِثالِ؛ قد يَحرصُ الأبُ على أنْ يَتَحَفَّظَ، فلا يُحَذِّرُ ابْنَهُ مِنَ الزواجِ مِمَّنِ اختارَها، حتى لا يَتمسَّكَ الابنُ بهذا الزواجِ بشتَّى الطرقِ، دونَ التفكيرِ في العَواقِبِ أو الاعتراضاتِ المَطروحَةِ.. وكذلكَ نَراهُ في بعضِ العائلاتِ، عندما يُريدُ أحَدُ الإخوةِ أنْ يَبيعَ أرضَهُ، أو يَتركَ عملَ العائلةِ ويَنتقلَ إلى مكانٍ آخَرَ، فيَستشير إخْوَتَهُ.. فلا يُعارِضونَ الفكرةَ، وبعضُهُم قد يَبحثُ جَوانِبَها الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ.. لعلَّ ذلكَ يَدفعُهُ إلى التفكيرِ الحِيادِيِّ وقد يُساعِدُهُ على الرجوعِ عن قرارِهِ دونَ ضغطٍ مِنَ الأهلِ.

ومِنَ الصورِ الاجتماعيةِ المُنتشِرَةِ في مجتمعاتِنا منذُ زمنٍ وما زالتْ مُنْتَشِرَةً إلى الآن، صورةُ بعضِ الأزواجِ، الذين يَتصوَّرونَ أنَّ مُوافَقَتَهُم على آراءِ أو اقتراحاتِ زَوجاتِهِم يُضْعِفُ من سَيْطَرَتِهِم على الأُسرةِ ويُقَـلِّلُ مِن هَيْبَتِهِم ومِن هَيْمَنَتِهِم المُتَوَقَّعَةِ.. فلا تَجِدُ الزوجاتُ وَسيلةً للتَّغَلُّبِ على ذلك إلّا بعلمِ النفسِ العكسيِّ، فلا تُبدي الزوجةُ سُرورَها للذهابِ إلى المصيفِ مثلاً أو لزيارةٍ معينةٍ، فيُصَمِّمُ الزوجُ أن تذهبَ معه.. أو تَعترضُ على رحلةٍ مدرسيةٍ للأبناءِ، فيُوافِقُ هُوَ.. أو تُهاجِمُ أحَدَ الأقارِبِ، فيُدافِعُ عنهُ.. أو تَتأفَّفُ مِن عملٍ معينٍ تُحِبُّ القيامَ به، فيَسمحُ لها. وهي صورةٌ غَيْرُ حَميدَةٍ،
تَحتاجُ إلى إعادةِ التفكيرِ في وَسائِلِ تَربيةِ الأبناءِ ليَنْشَؤوا عارِفينَ كيفَ يُثْبِتونَ مكانَتَهُم في المجتمعِ بأعمالِهِم وليسَ بمُخالفةِ الآخَرينَ.

ولكن هل يَعـملُ ذلك على كُلِّ الأشخاصِ؟ وفي كُلِّ المَواقِفِ؟

يَقولُ لنا الخُبَراءُ إنَّ علمَ النفسِ العكسيَّ هذا يَعملُ بنجاحٍ أكبرَ مع الذين يُحِبّونَ أنْ تَكونَ الأُمورُ تحتَ سيطرتِهِم، وكذلكَ المُتَمَرِّدينَ والنَرْجِسيّينَ (النرجسيةُ هي حُـبُّ الذّاتِ المَرَضِيُّ).. كما أنه يَعـملُ بفعاليةِ أكثرَ على الذين يَتَّخِذونَ قَراراتِهِم بِناءً على العاطفةِ، بَدَلاً مِن حِسابِ العَـواقِـبِ وتَقْييمِ الأُمورِ بِتَأَنٍّ.

ويَرَى الخُبراءُ النفسيين أنَّ نجاحَ استخدامِ علمِ النفسِ العكسيِّ هذا، يَعـتمِدُ على نَوْعِ العَلاقةِ بين الطرفَيْنِ أكثرَ مِن اعـتِمادِهِ على نَوْعِ الشخصيةِ. كما في حالِ الشخصِ الذي مازالَ يُقاوِمُ ليَحصلَ على استقلالِيَّتِهِ، فيَحرصَ على فِعْلِ ما تَطْلُبُ منه أن لا يَفعلَهُ.

استخدامُ علمِ النفسِ العكسيِّ معَ الأطفالِ

أيُّ شخصٍ تَعامَلَ مع الأطفالِ فلابُدَّ أنه قد استخدمَ معهُم ولو جُرْعَةً بسيطةً، مِن علمِ النفسِ العكسيِّ.. فالأطفالُ عادةً مطلوبٌ منهم أنْ يَكونوا مُطيعينَ ولا يُخالِفوا رَغَـباتِ آبائِهِم.. ولكنَّهُم يُحِبّونَ أحيانًا، مثلَ كَثيرينَ مِنّا نحنُ الكِبارَ، أنْ يَتصرَّفوا بِخِلافِ المَطلوبِ، بل وكَثيرًا ما يَجْذِبُهُم ما يَصْعُبُ عليهِم الحُصولُ عليهِ.

في التجاربِ العديدةِ التي قامَ بها عُـلَماءُ النفسِ، لاحَظوا أنَّ الأطفالَ يُصِرّونَ على اللَّعِبِ بالألعابِ التي لا تَكونُ مُتاحَةً للجَميعِ.. فيَتركونَ الألعابَ المُثيرةَ ويَتَكالَبونَ على لُعْبَةٍ معينةٍ مع طفلٍ مُعينٍ لمجردِ أنها ليسَ لها مَثيلٌ. وفي إحدَى التجارِبِ، جلسَ خمسةُ أطفالٍ حَوْلَ المُعَـلِّمَةِ لتَقرأَ لهُم قِصَّةً يَختارونَها.. وراحَ كلُّ طفلٍ يَختارُ قِصَّتَهُ المُفضَّلَةِ، وفي أثناءِ ذلك اختارَتِ المُعلِّمةُ إحدَى القصصِ، ورفعتْها إلى رَفٍّ عُلويٍّ قائلةً.. اختاروا قصةً غَيْرَها.. فإذا بالأطفالِ الخمسةِ يُصِرّونَ على أنهم يُريدونَ هذه القصةَ بالذّاتِ.

وكذلك أظهرتِ الدراساتُ أنَّ الإشاراتِ التحذيريةِ تَجعلُ المُنْتَجَ أكثرَ إغراءً للأطفالِ، مثلَ الإعلاناتِ التي توضَعُ في البرامجِ التلفزيونيةِ العنيفةِ.

يُمْكِنُ للوالِدَيْنِ استخدامُ عـلمِ النفسِ العكسيِّ للتخلُّصِ من بعضِ عاداتِ الأطفالِ الفِطريَّةِ السيئةِ، كأنْ تُوافِقَ الأمُّ على أنْ يَحتفِظَ الطفلُ بِلُعْبَتِهِ، ويَلعبَ بها وحدَهُ ولا يُشارِكَ فيها أحَدًا.. فيَأخُذها ويَجلِسُ وَحيدًا يَلعبُ بها، بينما يَلعبُ الجميعُ بسعادةٍ من دونِ تلك اللُّعبةِ، فتَكونُ النتيجةُ مُخَيِّبَةً لأَمَلِ الطفلِ وليسَ فيها ما يُسَلّي أو يُمْتِعُ.

ولكن مِنَ الضروريِّ أنْ نَستعمِلَ علمَ النفسِ العكسيَّ هذا بطريقةٍ مَسؤولةٍ، وإلّا فسوفَ يَبدو الوالِدانِ كالمُناوِرِ غَيْرِ الشَّريفِ في نَظَرِ طفلِهِما، فيَكونُ أثرُ ذلك سَيِّئًا على الطفلِ.. وعلى صِلَتِهِ بِوالِدَيْهِ، وعلى صورَتِهِما في نَظَرِهِ.

ولا يَجوزُ أنْ نَستخدِمَ علمَ النفسِ العكسيَّ “السَّلْبِيَّ” مُطلقًا، لأنه سيُعـرِّضُ الطفلَ لأذًى نفسيٍّ قد لا نَستطيعُ إصلاحَهُ.. فلا نُعَرِّضُهُ، مثلاً، للإخفاقِ المُخْزي بَيْنَ رِفاقِهِ. وإنَّما يَجِبُ علينا اللُّجوءُ إلى طُرُقٍ إيجابيةٍ وغَيْرِ ضارَّةٍ لاستِخدامِ علمِ النفسِ العكسيِّ.

فمثلاً يَطلبُ ابْنُكَ أن لا يَأكُلَ معكُم طعامَ العَشاءِ، مُتَصَوِّرًا أنَّ ذلك يَترُكُ أمامَهُ فُرْصَةً طَويلةً للَّعِـبِ، ويُمكِنُهُ تَناوُلُ طعامَهُ بعد ذلك في وقتٍ مُتَأَخِّرٍ.. فتَسمحُ له.. ثم قبلَ مَوْعِـدِ العَـشاءِ مباشرةً، تُخْبِرُهُ أنَّهُ سيَنامُ بعدَ أنْ تَنْتَهوا أنتُم مِن طعامِكُم مباشرةً.. ففي الغالبِ سيَختارُ أنْ يَأكُلَ معكُم حتى لا ينامَ جائعًا ويَفْقِدُ فرصةَ اللَّعِبِ في نفسِ الوقتِ.

مع المُراهِقينَ الأمرُ مُختلِفٌ، فأنتَ تُحَمِّلُهُ مسؤوليةَ تَصَرُّفِهِ، فتَنْقِلُ القرارَ مِن يَدِكَ إلى يَدِهِ، كأنْ تَقولَ مثلاً: أعرِفُ أنَّ هذه الرحلةَ غَيْرُ آمِنَةٍ وغَيْرُ مُنَظَّمَةٍ، ومَخَاطِرُها كذا وكذا.. لكنَّكَ كَبيرٌ بما يَكفي لِتَتَّخِذَ القرارَ بنفسِكَ..

وعلى الأهلِ أنْ يَكونوا مُتَـقَبِّلينَ أنْ يَخوضَ الابنُ أوِ الابنةُ تِلْكَ التجرِبَةِ محلَّ النِّقاشِ.. أو أنْ يَكونَ هذا هُوَ الحَلُّ الوَحيدُ لدَى الوالِدَيْنِ، إذا كانَ الابنُ سيَمضي في مَشروعِهِ سواءً وافَقا أو رَفَضا، وبذلكَ يَكونُ دَوْرُ علمِ النفسِ العكسيِّ إيجابيًّا في تَحميلِ الابنِ أوِ الابنةِ المسؤوليةَ، مع احتمالِ اقتِناعِهِ بوجهةِ نظرِ الأهلِ.

ويُعارِضُ بعضُ الخُبَراءِ استخدامَ علمِ النفسِ العكسيِّ في التعامُلِ معَ الأطفالِ.. لأنك إذا شَجَّعْتَ ابنَكَ على أن لا يُطيعَكَ، أو كافأْتَهُ على مُخالَفَتِكَ، كأنْ تَمتدِحَهُ لأنَّهُ اشتركَ في مشروعٍ معينٍ كُنْتَ قد رَفَضْتَ اشتراكَهُ فيهِ مِن قَبْلُ.. فأنتَ تَدْفَعُهُ لأنْ يَعْصِيَكَ بعدَ ذلك، وتُعَلِّمُهُ أنَّكَ لا تَعني حقيقةً ما تَطلُبُهُ منهُ، وأنَّهُ لا بأسَ بمُخالَفَتِهِ لأوامِرِكَ.





تعليقات